
تصوير: سارة الدمرداش
يقوم المعهد السويدي بتنظيم برنامج “القادة الشباب الزائرون” الذي يهدف الى اعطاء القادة الشباب من منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا ( مصر، سوريا، الأردن، لبنان، فلسطين، المغرب، الجزائر، تونس، اليمن، السويد) الادوات الصحيحة لتشكيل الرأي العام عبر تقوية مهارات القيادة وتطوير الذات، اضافة الى استعمال الاعلام الجديد كاداة فعالة في احداث التغيير.
أن تكون قائدا لا يعني بالضورة أن تملك السلطة العليا في احدى المؤسسات، لكن هذا يعني مدى التزامك بقضية معينة ترقى ببلادك كحقوق الانسان او التغيير الذي سيؤثر بالتبعية على مجتمعك، هذا ما أكدته جافيرا كاباني ـ مديرة المشروع ـ مضيفة الى أن هذا البرنامج يتميز باستخدامه لتقنيات الهواتف الحديثة وربطها بالاعلام الاجتماعي، وهكذا سيصبح محمولك ليس مجرد هاتف لاستقبال المكالمات الهاتفية، ما يضمن سهولة وسرعة وصول المعلومات.
وأوضحت جافيرا الى ان البرنامج يهدف بالاساس الى تدريب القادة الشباب على التغيير الايجابي وذلك من خلال البرنامج المعني بالقيادة الثقافية الذي أطلقه المعهد السويدي.
بدأ البرنامج هذا العام بالمحاضرات المكثفة الذي استمرت لمدة اسبوعين في العاصمة السويدية ستوكهولم ليتبعها بعد عدة أشهر أسبوع في المعهد السويدي في الاسكندرية تم فيها التدرب باللغة الانجليزية على استخدام المدونات، الفيسبوك ، التويتير ،والـيوتيوب واهميتها في التعبير والتغيير.
يقول مارك كومرفورد أحد المحاضرين: “البرنامج يساعد على تأسيس شبكات ثقة تلعب دورا في تعزيز المجتمع المدني وحقوق الإنسان ، موضحا ان أي تغيير سيكون نتيجة أشخاص متحمسين ومستعدين للتنظيم والكفاح باسم ما يؤمنون أنه الحق. الناس هم من يحدثون التغيير، لا البرامج”.
ويرى مارك ان عدد المدونين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يملأ ثغرة ضخمة ومهيبة في صناعة الأخبار السائدة، ما يسمح بحرية التعبير التي غالبا ما تخضع للرقابة من قبل حكومات سياسية قمعية أو بسبب حاجات اقتصادية لأصحاب رؤوس الأموال في المنظمات الإعلامية الكبرى، مشيرا الى ان المواقع الالكترونية الاخبارية سوف تحل مكان الصحف المطبوعة وستبقى هناك منتجات ورقية لكنها مختلفة عن صحف اليوم.
يذكر أن “مارك كومرفود” كان قد انتقل من ايرلندا إلى السويد للعمل في الحدادة أوائل الثمانينات، لكن فشل صناعة السفن في السويد أجبرت العديدين على التفتيش عن وظائف أخرى، وكان كومرفورد أحد هؤلاء.
وفي عام 1994، أسس الحداد الذي تحول إلى مدافع عن الإعلام الرقمي أول صحيفة يومية الكترونية في الدول الاسكندينافية أفتونسبلاد. ونشر الرجل على مدى 15 عاما معرفته في مجال الإعلام الرقمي عبر العالم، ليعلم الآلاف كيفية الاستفادة لأقصى الحدود من الانترنت والتكنولوجيات الرقمية.
ولعلني أتذكر زيارتي لتلك البلاد الرائعة بعد أن تم إختياري كاحد المشاركين من مصر لبرنامج القادة الشباب (Young Leaders Visiting Program) في عام 2009.
وقد شعرت مع الخطوات الأولى التي خطوتها في مدينة ستوكهولم انني أدخل في مكان مختلف جدا عن العالم العربي. الحرية تتمدد هناك بشكل لا نهائي . لا يوجد هناك حدود لشيء، أو نقطة يجب الوقوف عندها، وتختفي جميع الخطوط الحمراء. السويد أصبح مرادفاً لمعنى الحرية ربما أكثر من أي مكان آخر في العالم..
العقل السويدي المتأمل مؤمن بقيمة الحرية أكثر من أي شيء آخر. أنه مؤمن بحرية الأديان على مختلف أنواعها وحرية الفكر، والتعبير والسلوك والحرية الجنسية.
هذه القوانين تشمل على إجماع اجتماعي وثقافي كامل ويحاكم عليها القانون السويدي . فلا يمكن أن تتخذ موقفاً عدائيا بناء على دين الإنسان أو عرقه أو حريته الجنسية . كل الأشياء الأخرى متاحة تماما وبأقصى الطاقات الممكنة . يمكن نقد الدين، ولكن لا يمكن نقد تدين شخص ما.
ولعل السويديين لا يقضون وقتا كثيرا يتكلمون عن الدين. ولا يكفرون الذين يختلفون معهم في المواضيع الدينية. ولا يتفاخرون كثيرا بحريتهم وقوتهم وثروتهم. ولا يتهمون الذين يعارضونهم من ابناء وطنهم بعدم الوطنية. ولا يتهمون الذين يعارضونهم من الاجانب بالكراهية والعداء.
ورغم أن العلاقة بين الشرق والغرب موضوع قديم ومتجدد في ذات الوقت، فموضوع التلاقي والتواصل بينهما كان ولازال مثارا للنقاش.
على مشارف القرن التاسع عشر، قال الفيلسوف الألماني هيغل، عبر منظور تاريخي: ( إن تاريخ العالم يسير من الشرق الى الغرب. ذلك ان أوروبا هي نهاية تاريخ العالم وآسيا هي البداية).
في حين حاول الشاعر والمفكر الالماني غوته ان يقارب بين الشرق والغرب قائلا: ( إن الشرق والغرب لم يعد ممكنا فصلهما.) ، وذلك قبالة مقولة الشاعر الانجليزي رديارد كبلنج ( الشرق شرق .. والغرب غرب، ولن يلتقيا).
صلة الغرب بالشرق والشرق بالغرب لم تنقطع على مر العصور والأزمنة ، فمنذ أن شرع الإنسان في التنقل والارتحال ، وركب البحر ، شرع في الاتصال بغيره من الأمم والشعوب والحضارات الإنسانية ، واتصال الشرق العربي بالغرب الأوربي اتخذ أشكالاً تاريخية متعددة.
انما يبقى التساؤل قائما : أوروبا والشرق الأوسط – متصلين أم لا؟
ترى جافيرا كاباني ـ مديرة مشروع (القادة الشباب الزوار) ـ انه بفضل العولمة والهجرة من الشرق الاوسط الى بلدان الاتحاد الاوروبي نشأت علاقة بينهما على مختلف المستويات الثقافية والسياسية والتعليمية، حتى في مجال الاعمال التجارية. ومع ذلك فإن تلك الاتصالات والعلاقات المتبادلة ليست قائمة على اساس الاحترام المتبادل وخلق رؤية مستقبلية للحفاظ على العلاقات، مشيرة الى ان الشئ الاكثر اهمية بين الطرفين هو الحديث عن خلق منتديات للعمل سويا بدلا من الحديث عن كيفية القيام بذلك.
وواصلت جافيرا قائلة: ان العالم يتغير وأصبحت الناس تمثل وسائل الاعلام الخاصة بها. واذا توافرت القوة الدافعة لتأييد الشباب الملهمين واعطائهم الدعم اللازم والولاية لبناء البنية التحتية، قد يكونوا هم القادرين على التغيير، مؤكدة على ان تقنيات الشبكات الحديثة قد تقودنا الى عالم اكثر انفتاحا بشرط استخدامها بطريقة صحيحة.
قد تكون حلقات النقاش انتهت، ولكن يبدو لي ان سؤال الشرق والغرب سيظل يطل برأسه في حياتنا، ويفرض نفسه على أشكال الخطاب التي تسود هذه الحياة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وغيرها. ومهما تغيرت زوايا الرؤية، ومجريات الامور سيظل هذا السؤال دائم الحضور، وله القدرة على إعادة انتاج ذاته بأقنعة وصيغ مختلفة، ليطرح نفسه تارة في ثنائية الشمال والجنوب، ووعي الأنا ووعي الآخر، ثم يتجدد خلال موضع اخر في العولمة وصراع الحضارات وحوار الأديان وغيرها.
ولان الاعلام الجديد اصبح واقعا لا يتجزأ في حياتنا، علينا ان نستفيد من الفرص الذي يوفرها لنا لخلق عالما أفضل، بدلا من الصراع المختلق، فلتتداخل ثقافتنا ولنتعايش معا، ولنصبح نحن التغيير الذي نرغب ان نراه في العالم.
© حقوق النشر: يمكن إعادة نشر النص في أيّة وسيلة إعلاميّة للأغراض غير التجاريّة مع الإشارة الى www.sweden.se/ar. لايُسمح، بأيّ حال من الأحوال، استعمال الصوَر والرسوم. إذا كان لديك أيّة استفسارات، يُرجى الاتّصال بمدير الموقع.