كيف تتصدى السويد للفساد؟

الفساد أو سُوء استخدام السلطة مشكلة عالمية يُعاني منها العالم أجمع، ومنها السويد. و تَعمل السويد بكل ما تستطيع لمحاربة الفساد بجميع أشكاله، وقد نَجحت إلى حد كبير في ذلك إلى درجة جعلتها من أقل الدول في انتشار الفساد على مستوى العالم. لذا فالسويد تعد خيار موفق جداً للاستثمار في المشاريع التجارية لما فيها من ضوابط و قوانين صارمة ضد الرشوة والفساد.

أبدأ القراءة

تصوير:Valentina Stepanova

كيف تتصدى السويد للفساد؟

الفساد أو سُوء استخدام السلطة مشكلة عالمية يُعاني منها العالم أجمع، ومنها السويد. و تَعمل السويد بكل ما تستطيع لمحاربة الفساد بجميع أشكاله، وقد نَجحت إلى حد كبير في ذلك إلى درجة جعلتها من أقل الدول في انتشار الفساد على مستوى العالم. لذا فالسويد تعد خيار موفق جداً للاستثمار في المشاريع التجارية لما فيها من ضوابط و قوانين صارمة ضد الرشوة والفساد.

ليس مجتمعاً ملائكياً

عُرفت السويد تاريخياً بتدني مستويات الفساد فيها، حيث تحتل دوماً مراكز متقدمة في مؤشر الشفافية العالمي. في عام ٢٠١٨، احتلت السويد المركز الثالث على مستوى العالم في مؤشر الشفافية العالمي من بين ١٨٠ بلداً لتتقدم بذلك ٣ مراكز عن العام السابق ٢٠١٧. ولكن هذا لا يعني أن الفساد منعدم تماماً حيث تقوم الصحافة بنشر فضائح وقضايا فساد بين الحين وآخر، و تقوم الجهات الحكومية والقضائية بمحاولة معاجلتها فوراً.

مجتمع السويد ليس مجتمعاً ملائكياً، الفساد موجود، ولكن ما يدعو للاطمئنان أن مستوى محاربة الفساد عالٍ، إضافة إلى أن مستوى الثقة في المسؤولين والسياسيين عالٍ أيضاً خصوصاً فيما يتعلق باحتمالية تلقيهم للرشاوي.

وحسب تقرير Eurobarometer لعام ٢٠١٧ المعني بالفساد في السويد، فإن ٣٧% من السويديين يعتقدون أن الفساد منتشر على نطاق واسع، و نسبة ١١% يشعرون بأنهم يتأثرون بالفساد في حياتهم اليومية ، و نسبة  ٤٨ % يعرفون أين يقومون بالإبلاغ عن حالات الفساد.

والمثير للجدل أن قضايا الفساد الكبرى التي تهز السويد تقوم بها شركات أو أطراف سويدية خارج السويد، وهذا ما يجعل البعض يفترض أن السويديين ملتزمين بالقوانين والأخلاقيات داخل السويد، ولكن قد لا يتقيد بها البعض خارج البلاد.

الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد

تم تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عام ٢٠٠٣ ، وهي تتبع مكتب المدعي العام، وتختص هذه الهيئة -كما يدل اسمها- بقضايا الفساد، وتم تأسيس وحدة شرطة خاصة تتبع هذه الهيئة في عام ٢٠١٢ ، وتضم ٢٥ شرطياً وشرطية.

والبلاغات التي تتلقاها هذه الهيئة فيما يخص قضايا الفساد ليست كثيرة نسبياً، حيث تلقت في العام الماضي ١١٧ بلاغاً، وبشكل تقريبي فإن ثلث هذه القضايا تحولت فعلياً إلى قضايا حقيقية، وثلث القضايا التي وصلت للمحاكم تم الحكم فيها أنها قضايا فساد وتلقى المتهم فيها عقوبة، وإن كانت القضية ليست قضية خطيرة فيتم الحكم على المتهم بغرامة وبسنتي سجن، أما القضايا الأخطر فقد تصل فيها العقوبة إلى ست سنوات سجن، وإن كان المتهم في القضية شركة خاصة فيتم الحكم عليهم بمصادرة الرشوة نفسها إضافة إلى المنفعة المتوقعة من الرشوة، كما يتم فرض غرامة حدها الأعلى ١٠ ملايين كرونة (أكثر من مليون دولار)، وتتم حالياً مناقشة رفع سقف هذه الغرامة بأكثر من ذلك.

هيئة غير حكومية لمكافحة الرشوة

بالإضافة إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، توجد في السويد هيئة غير حكومية لمكافحة الفساد والرشوة. تأسست تلك الهيئة عام ١٩٢٣ ، وهي هيئة مستقلة غير ربحية و لا تتبع الحكومة ويتم تمويلها من القطاع الخاص ومن غرفة ستوكهولم للتجارة. ومن أبرز أنشطة الهيئة: العمل على التعريف الدقيق بأنظمة وقوانين مكافحة الفساد، وتحديد الخطوط الدقيقة بين ما يعتبر رشوة وما هو ليس كذلك . ويتركز نشاط هذه الهيئة على القطاع التجاري.

وترى الهيئة أن بعض القوانين الحكومية في السويد المختصة بتعريفات الرشوة بها ثغرات، وأنها ليست دقيقة بما فيه الكفاية. ينص القانون على أن الرشوة هي “أي هدية يمكن أن تُؤثر على اتخاذ القرار/القرارات”، في حين ترى الهيئة أن هذا التعريف مطاط وبحاجة إلى تفصيل دقيق، ولذا فالهيئة تعمل على سد هذه الثغرات.

إضافة إلى ذلك تَعقد الهيئة ورش عمل ودورات تدريبية ومحاضرات للقطاعات الحكومية والخاصة لتعريفهم بالمسموح وغير المسموح في إعطاء وتلقي الهدايا، ومتى يمكن أن تصبح الهدية رشوة. كما تُقدم الهيئة استشارات مباشرة لمن يرغب حول قضايا معينة. ومع ذلك، فإن الفريق التابع لمكافحة الرشوة التابع لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي يفتقر لقوانين رادعة ضد الرشوة الاجنبية.

ولدى الهيئة لجنة أخلاقية مُكونة من مجموعة من الخبراء بما فيهم خبراء قانونيين واقتصاديين. تقوم هذه اللجنة بدراسة حالات معينة ومعرفة رأي الخبراء فيها حتى تساعد القطاعين الحكومي والخاص على معرفة هل هذه الحالة وما يشابهها أمر أخلاقي أو غير أخلاقي. ونذكر على سبيل المثال ما قامت به اللجنة من دراسة إقامة شركة خاصة لحفل لعملائها تُقدم لهم فيه مأكولات ومشروبات على حسابها، وكان رأي اللجنة أنه لا يجوز لموظف حكومي صاحب قرار أن يحضر مثل هذه الحفلات لأنه من الصعب عليه أن يكون حيادياً في قراراته فيما يخص هذه الشركة بعد ذلك.

خوفهم الأكبر من الإعلام

أكثر ما تخاف منه الشركات والمؤسسات فعلياً هو الإعلام حيث يرهبونه أكثر من هيئة مكافحة الفساد نفسها، حيث ستكون خسائر الشركة أو المؤسسة التي تقع في قضية فساد أكبر بكثير لو تم تداول قضيتها في الإعلام، حيث يتتسبب ذلك في خسارة الشركة أو المؤسسة لسمعتها ومكانتها في السوق، وهذه الخسارة سيكون وقعها أكبر بكثير من الغرامات والعقوبات القانونية فحسب.

وعادة ما يفضل السويديون الإبلاغ عن قضايا الفساد للصحفيين والإعلاميين، وليس للجهات المسؤولة، مع إن تقديم البلاغ للجهات المسؤولة أمر فعّال بحد ذاته ولا أحد يشك في نزاهتهم. في حالة قيام الإعلام بكشف قضية فساد قبل هيئة مكافحة الفساد، فإن الهيئة تقوم مباشرة بتولي القضية للكشف عن مُلابساتها.

ويدعم ذلك حرية الإعلام، واستقلاليته، خصوصاً التلفزيون الرسمي الذي يتم تمويله من الشعب ولا يتبع بالتالي أي جهة حكومية، ولا يعتمد على إعلانات الشركات. بالتالي لا يمكن لأحد سواء كان مسؤولاً حكومياً أو شركة كبرى أو شخصيات بالغة الثراء أن تؤثر أو تتحكم في التلفزيون الرسمي أو في أخبار وتقارير الصحفيين الذين يعملون به.

مستوى عالٍ من الشفافية

من الأمور التي تساعد على محاربة الفساد في السويد هو المستوى العالي من الشفافية، حيث بإمكان أي شخص أن يطلب معلومات عن أي شخص آخر في السويد ليُطلع على دخله السنوي، وممتلكاته، وأين يعمل، وهل هو متزوج، وهل لديه أطفال، وهل عليه ديون، وغير ذلك، معلومات الجميع متاح معرفتها من قبل أي فرد.

الشفافية في السويد تعني كذلك أن هناك فرصة لأي شخص لمراجعة وتدقيق ميزانية الحكومة وجدول عملها المالي، بما فيها امكانية حضور الاجتماعات الرسمية في البرلمان. وذلك يسمح بوجود مجال للحوار ومناقشة للقوانين والتعليمات والقرارات وبذلك تضيق الفرص أمام الحكومة لإساءة استخدام السلطة بقضايا الفساد أو الرشاوي أو الاختلاسات. هذه الشفافية العالية تجعل ممن يُعرَض عليه رشوة من أي نوع أن يُفكّر ألف مرة، لأن كشف أمره سيكون سهلاً، وأمام الجميع.

مستوى عال من الرفاه الاجتماعي

نظام الرفاه الاجتماعي من الأمور التي تميز السويد، حيث يمكن القول إنه من الصعب وجود فقراء في السويد. فنظام الرفاه الاجتماعي يضمن للجميع احتياجاتهم الأساسية، من تعليم ونظام صحي، ورعاية أطفال، وضمان مستقبلهم، وإعانات سكن، وغيرها، بالتالي فلا يوجد دافع لقبول الرشوة عدا الطمع البشري.

أكبر دافع لقبول الرشوة في العموم يكون الحاجة إلى المال، لتوفير تعليم أفضل للأبناء، أو لضمان مستقبلهم، أو لحماية الشخص نفسه من الفقر، وغير ذلك، وهذه من الأمور التي لا توجد في نظام الرفاه الاجتماعي الذي يضمن للإنسان كل احتياجاته الأساسية، ويضمن للأطفال حياة كريمة، ويوفر لهم بعدالة كل الفرص في التعليم ليمكنهم أن يبنوا مستقبلهم كما يشاؤون.

بالتالي، إن وضعنا نظام الرفاه الاجتماعي الذي ألغى أغلب الاحتياجات للرشوة، إلى جانب الشفافية العالية في السويد، وتأثير الإعلام ونزاهة القضاء، فإننا سنستوعب حينها كيف وصلت السويد بهذه التركيبة إلى هذا المستوى المتقدم من تدني مستوى الفساد، والذي يصبّ كله في مصلحة المجتمع، وفي نهضة البلد وتقدمه في شتى المجالات.

أخر تحديث: 10:00 ص