احتفالات الربيع (فالبوري)

مع نهاية فصل الشتاء بلياليه الطويلة المظلمة، وبرده القارس في بلاد الشمال الأوروبي، يحين موعد الاحتفال بحلول فصل الربيع مع ذوبان الثلوج واعتدال درجات الحرارة، وبزوغ الشمس من خلف طبقات السحب الكثيفة.

فيحتفل السويديون كما في دول أوروبية أخرى مثل فنلندا، ألمانيا في الـ٣٠  من إبريل (نيسان) بيوم الربيع أو (فالبوري)، الذي توقد فيه النيران في جميع أنحاء السويد، كإعلان عن نهاية فصل الشتاء، لتَتَزين الغابات باللون الأخضر من جديد. فلماذا سُمي احتفال الربيع بـ(فالبوري) وما هي قصة النيران التي يتم إشعالها؟

أبدأ القراءة

الصورة: Ola Ericson/imagebank.sweden.se

تضاء النيران في جميع أنحاء السويد في ليلة ٣٠  أبريل/نيسان احتفالًا بقدوم الربيع. وها هو جانب من الاحتفال وفي الخلفية، يمكنك رؤية قاعة بلدية ستوكهولم.

احتفالات الربيع (فالبوري)

مع نهاية فصل الشتاء بلياليه الطويلة المظلمة، وبرده القارس في بلاد الشمال الأوروبي، يحين موعد الاحتفال بحلول فصل الربيع مع ذوبان الثلوج واعتدال درجات الحرارة، وبزوغ الشمس من خلف طبقات السحب الكثيفة.

فيحتفل السويديون كما في دول أوروبية أخرى مثل فنلندا، ألمانيا في الـ٣٠  من إبريل (نيسان) بيوم الربيع أو (فالبوري)، الذي توقد فيه النيران في جميع أنحاء السويد، كإعلان عن نهاية فصل الشتاء، لتَتَزين الغابات باللون الأخضر من جديد. فلماذا سُمي احتفال الربيع بـ(فالبوري) وما هي قصة النيران التي يتم إشعالها؟

من هي القديسة (فالبوري)؟

القديسة فالبوري وفقاً لـ:”للرواية الشعبية” فقد كانت أميرة إنكليزية دُعيت من قبل رئيس أساقفة دير ماينز في ألمانيا الأب “بونيفاتيوس” لمساعدة المسيحيين الألمان، لتصبح لاحقاً المشرفة على دير هايدنهايم للرهبات.  وبعد وفاتها عام ٧٧۹، بسنوات قليلة نُقل جثمانها إلى مدينة آيخستات الالمانية لِتدفن في الأول من أيار (مايو) هناك، وطوبتها الكنيسة الكاثوليكية لاحقاً لقب قديسةً في العام ۸٧۰.

لكن ذلك ليس كل شيء، فكما في معظم الأعياد ذات المسمى الديني كعيد جميع القديسين، والقديسة لوسيا، فإن الأسطورة الوثنية حاضرة هنا أيضاً، ففي ذلك الوقت من العصور الوسطى تطورت ممارسات دينية دخيلة من الوثنية “السلتيةـ الجرمانية” على الديانة المسيحية المنتشرة حديثاً هناك. فكان الألم والمعاناة من قوى الظلام والشر أمراً ذا أهمية كُبرى. وتشير تلك المعتقدات الأسطورية إلى أن الساحرات يتجمعن في ليلة ۳۰ نيسان (إبريل)، ويطرن بعيداً على مكانس مصنوعة من القش أو على ظهور ذكور الماعز الى الأماكن المرتفعة القديمة، للانضمام إلى الشيطان والتحضير لأعمال الشر. وبهدف تفريقهن وتشتيت قوتهن يقوم الأهالي بإصدار الضجيج والصياح وإطلاق النار والمفرقعات وإيقاد النيران.

(فالبوري) بنسخته السويدية

رغم جذوره الألمانية التي وصلت إلى السويد في وقت ما قرابة العام ۱٤۰۰ ميلادياً، يرى السويديون أن فالبوري بنسخته السويدية ـ التي تشبهها إلى حد كبير ـ النسخة الفنلندية، هو احتفال مختلف عن فالبوري الألماني وإن تشاركا بالاسم، بالنسبة لهم يرمز إشعال النار لإحراق الماضي، وافساح المجال أمام المستقبل الجديد.

ومن ضمن المعتقدات القديمة عن المناسبة أيضاً، أن الحدود الفاصلة بين الأحياء والأموات تكون في أضعف حالاتها هذه الليلة، فيمكن على سبيل المثال أن يلتقي الأحياء إن حالفهم الحظ بطيف الأحبة ممن رحلوا عن عالمنا.

تطلق في هذا اليوم الحيوانات القروية التي أرهقت في محبسها داخل الحظائر خلال فصل الشتاء الطويل القارس إلى المراعي لتناول الطعام بحرية، فكان الفلاحون في السويد في العصور الغابرة يشعلون النيران في هذا اليوم أيضاً لإخافة وإبعاد الحيوانات المفترسة عن حيوانات المزرعة، ومازال تقليد إطلاق الماشية في هذا اليوم سارياً في مختلف أنحاء السويد، وعلامة فارقة على حلول فصل الربيع.

الصورة: Aline Lessner/imagebank.sweden.se

أمسية الـ٣٠ من إبريل (نيسان)، يرحب السويديون بالربيع ونهاية فصل الشتاء الطويل من خلال إضاءة نيران ضخمة، وغناء الأغاني لفصل الربيع.

ثلاث مناسبات ونكهة واحدة

الحقيقة أن مناسبة فالبوري في ٣٠ إبريل (نيسان) تتوافق مع مناسبة سويدية أخرى ذات طابع وطني، هي الاحتفال بعيد ميلاد الملك كارل السادس عشر غوستاف ، ورغم أن الحدث ذاته هو يوم العلم السويدي أيضاً، إلا أنه ليس عطلةً رسمية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن معظم نشاطاته المسائية التي قد تستمر في بعض الأحيان إلى ساعات متأخرة من الليل تأتي عشية الاحتفال بعيد العمال في اليوم التالي الأول من أيار (مايو)، الذي هو يوم عطلة رسمية.

إن احتفال فالبوري بطابعه الشعبي العام، عادة ما يجري في أماكن مفتوحة يجري تحديدها سلفاً كمواقع للتجمع، وتأخذ طابعاً جماهيراً بمشاركة الآلاف.

مع تجمع أهالي البلديات في الأماكن المخصصة يتم تجميع كومة كبيرة من أغصان الأشجار والأخشاب، وغالباً ما يبدأ الاحتفال في ساعات المساء بإنشاد أغاني الربيع، وإحراق كومة الأغصان والأخشاب لينتهي الاحتفال مؤقتاً، ومع حلول ساعات الليل تبدأ دفعة جديدة من الاحتفال بإطلاق الألعاب النارية.

احتفالات المراهقين

في حين تختار بعض العائلات في السويد الاحتفال من خلال إقامة حفلات الشواء في الهواء الطلق، تختار شريحة واسعة من فئة المراهقين والشباب التي شارف عامها الدراسي على النهاية تفضل الاحتفال بفالبوري على طريقتها، وللأسف فإن المجتمع السويدي المعروف بتوجهاته السلمية، يشهد عاماً بعد عام ارتفاعاً بمعدلات الحوادث المتصلة برعونة المراهقين في هذا اليوم، والتي تحمل عنواناً رئيسياً هو تناول الكحول من غير ضوابط. وهو ما يدفع الشرطة عادةً إلى استباق يوم الفالبوري بدعوة الأهل عبر وسائل الإعلام إلى المساهمة والمساعدة في ضبط سلوك المراهقين في هذا اليوم.

احتفالية المدن الطلابية

من أوميو في الشمال، إلى أوبسالا، مروراً باستكهولم، وحتى لوند في الجنوب، سيتاح لك أن تشارك الفئة الطلابية السويدية احتفالاتها بنسختها الأجمل والأكثر إثارة لو قررت يوماً الانتساب إلى جامعة في واحدة من هذه المدن أو غيرها.

وعلى الرغم من أن الاحتفال أصبح عادة سنوية منذ نهاية القرن التاسع عشر في الوسط الجامعي لمدن مثل استوكهولم، ورغم حداثة عهده في أوبسالا الذي بدأ على يد طالبين جامعيين في العام 1978، فإن للاحتفال في أوبسالا ما يميزه عن باقي المدن والجامعات السويدية.

وقد يكون الطابع الجامعي للسكان والمقيمين في عاصمة السويد القديمة ما يميزها عن باقي المدن، سبباً أساسياً في مشاركة أعدادٍِ غفيرة من الأشخاص في هذا التقليد السنوي، كما تعرف المدينة كل عام عودة الطلبة القدامي لإعادة إحياة هذا العيد بطابعه الطلابي المميز.

وعلى أية حال ورغم السقف العالي لاحتفالية أوبسالا فإن الأنشطة التي تقام سنوياً في الجامعات السويدية هي تجربة فريدة في المرحلة الدراسية العليا، تستأثر باهتمام المشاركين والمشاهدين على غرار الحفلات الموسيقية التي تبدأ في بعض الأحيان قبل يومين من فالبوري، سباقات التجديف للزوارق الصغيرة، ومسابقات السقوط من أماكن عالية عن طريق ربط المتسابقين بحبل على مستوى القدمين ورميهم من الأعلى للأسفل… وغيرها الكثير من الأنشطة التي تضفي الحماسة، والتي تضمن استمرارية الاحتفال على نفس المستوى من الإثارة.

الصورة: Cecilia Larsson Lantz/Imagebank.sweden.se

من مكتبة جامعة أوبسالا التي ينظر إليها على مدار أكثر من خمسة قرون باعتبارها مركزاً علمياً للطلاب والباحثين، حيث تحتل جامعة أوبسالا وغيرها من الجامعات السويدية مكانة متميزة في التصنيف الأوروبي للجامعات.

فرصة أخرى للاحتفال

وسواءً كان فالبوري يوماً تراثياً سويدياً امتزج بالأساطير الجيرمانية الألمانية، أم كان يوماً دينياً، فهو ببساطة فرصة لن يضيعها الشعب السويدي للاحتفال. ففي نهاية الأمر المناسبة لا تعنيهم من منظورها الديني، قدر المتعة التي يجدونها باستقبال ضوء الربيع وشمسه. ورغم أن الأمطار قد تصاحب المناسبة، إلا أن ذلك لا يمنع الناس من إقامة احتفالاتهم مرتدين الملابس التي تقيهم من المطر، أو حتى التجمع في منازلهم لإحياء المناسبة، فالمهم أن يحتفلوا ويسعدوا بذلك.

أخر تحديث: 1:19 م