أولوف بالمه.. الجدلي في حياته ومماته

في ليلة الثامن والعشرين من فبراير (شباط) ۱۹۸٦ نامت واستيقظت العاصمة ستوكهولم على خبر اغتيال رئيس الوزراء أولوف بالمه. فمن هو أولوف بالمه الذي لا تزال كلماته وأفعاله تلهم السياسيين في العالم أجمع بالالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام؟

 

 

أبدأ القراءة

المصدر: Wikimedia Commons/CC BY-SA 3.0

لوحة في مكان جريمة اغتيال أولوف بالمه على ناصية شارعي تونيلجاتان وسفيافيجن في ستوكهولم.

أولوف بالمه.. الجدلي في حياته ومماته

في ليلة الثامن والعشرين من فبراير (شباط) ۱۹۸٦ نامت واستيقظت العاصمة ستوكهولم على خبر اغتيال رئيس الوزراء أولوف بالمه. فمن هو أولوف بالمه الذي لا تزال كلماته وأفعاله تلهم السياسيين في العالم أجمع بالالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام؟

 

 

تعتبر السويد واحدةً من الديمقراطيات الأوروبية التي عادةً ما يرتاد السياسيون فيها الأماكن العامة ويستخدمون وسائل المواصلات دون أي مظاهر لحضورٍ رسميٍ واضح، وفي الغالب بدون حراسة شخصية. ومع حقيقة أن هذا النمط من الحضور الرسمي الذي يعتبر اعتيادياً في السويد، ومثالاً يُحفز على الاحتذاء في غيرها من البلدان، من كسرٍ لجميع الحواجز بين المسؤولين والشعب، إلا أن هذا النموذج كان له تكلفته من قبل السياسيين، والتي تصل أحياناً إلى حد أن يدفع السياسيون حياتهم ثمناً لذلك كما حصل في أكثر من حادثة.

نبذة شخصية

ولد بالمه عام ۱۹۲٧ لأسرة من الطبقة الثرية في ستوكهولم. واستطاع أن يتحدث أربع لغاتٍ بطلاقة إلى جانب لغته الأم السويدية، وهي الإنجليزية، الفرنسية، الروسية، الألمانية. كما كان مُلماً بقواعد اللغة الإسبانية.

وأثناء دراسته للقانون في جامعة ستوكهولم، انخرط في السياسة الطلابية في حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، وأصبح رئيساً لاتحاد الطلبة السويدي عام ۱۹٥۲، وعندما احتاج رئيس الوزراء تاجى إرلاندر إلى سكرتير عام ۱۹٥۳، عين بالمه الذي أظهر قدرات مكتبية عالية.

ورغم انتخابه عضواً في البرلمان عام ۱۹٥۸ إلا أنه احتفظ بعمله سكرتيراً لرئيس الوزراء حتى عام ۱۹٦۳ عندما تمت تسميته وزيراً دون حقيبة. وأصبح بالمه قائداً لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين من عام ۱۹٦۹، وحتى اغتياله في عام ۱۹۸٦. وكان رئيساً للوزراء خلال فترتين من قيادته لحزبه، حيث تم اغتياله خلال الفترة الثانية.

إرثه الداخلي

ترك بالمه بصماته الواضحة على الصعيد الداخلي منذ أن استلم حقيبة وزارة المواصلات عام ۱۹٦٥ فقام على أثرها بتبديل جهة سير السيارات في السويد، الذي كان يتبع النظام البريطاني، ليصبح السير على الجانب الأيمن من الشارع، وليس على اليسار، باعتباره النظام الذي تسير عليه معظم دول العالم.

كما كان للحادث النووي عام ۱۹٧۹ في جزيرة “ثري مايل” في الولايات المتحدة تأثيراً كبيراً في السويد، ومن موقعه في المعارضة ساهم بالمه في إجراء استفتاء (تم تمريره في عام ۱۹۸۰) لإزالة جميع المفاعلات النووية في السويد، علماً بأن بالمه كان في بداية حياته السياسية من مؤيدي امتلاك القدرات النووية.

المصدر: صورة من أرشيف عائلة بالمه

 وزير الاتصالات أولوف بالمه بعد مقابلة حول المجتمع الطبقي مع المخرج فيلجوت خومان بعد عرض فيلم “أنا فضولي – أصفر” عام ١٩٦٨ بينما يجلس ابن بالمه مارتن على ركبته.

سياساته الاقتصادية

أصر بالمه على إبقاء النموذج الاقتصادي السويدي مصممًا خصيصاً لتلبية احتياجات الشعب، لذا فقد عارض الدعوات إلى “عسكرة الاقتصاد السويدي”. لكن ذلك لم يحل دون حدوت حالة من الركود الاقتصادي في السويد خلال السبعينيات، ما جعل خسارة حزب الاشتراكيين الديموقراطيين للانتخابات في عامي ١٩٧٦، ١٩٧۹ وخروج مقاليد الحكم من يد الحزب الذي حكم عبر صناديق الاقتراع لأكثر من أربعة عقود من الزمن أمراً بديهياً. لكن بالمه عاد في عام ١٩۸۲ إلى تطبيق سياساته الاجتماعية الاشتراكية التي تسعى لتحقيق دولة الرفاه الاجتماعية لجميع المواطنين.

كان بالمه كذلك من أشد المعارضين لدخول السويد في مجموعة دول السوق الأوربية المشتركة، مبرراً موقفه بالحفاظ على الحياد الذي تميزت به السويد لسنوات طويلة قبل دخولها الاتحاد الأوروبي في منتصف التسعينات من القرن الماضي. لكن بالمه كان يسعى بنفس الوقت لتمتين أواصر الصداقة، والعلاقات الطيبة بين دول السوق نفسه. ولأنه آمن بالذنوب الأخلاقية للأنظمة الاستعمارية، فقد كان من أوائل من طالبو عبر البرلمان، بدعم الشعوب والدول الفقيرة بمشاريع التطوير والتنمية.

سياساته الخارجية

يتذكر العرب أولف بالمه باعتباره مناصراً للقضية الفلسطينية. ومن الأمور التي جلبت غضب قوىً غربيةً له، دعوته لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات لزيارة ستوكهولم عام ۱۹۸۳. لكن الحقيقة أن مواقف بالمه وسياسته الدولية لم تكن وقفاً على ذلك، فعرف عن الرجل الصراحة في إبداء المواقف التي انتقد فيها قطبا الحرب الباردة السوفيتي والأمريكي على حد سواء.

لقد جعل بالمه الولايات المتحدة تَغضب عندما انضم إلى مظاهرة ضد حرب فيتنام مع سفير فيتنام الشمالية في ستوكهولم عام ۱۹٦۸ وكان حينها وزيراً للتربية. خرج بالمه بعدها وفي العام نفسه، ليؤكد على مواقفه المبدئية، متصدراً مظاهرة شعبية مشابهة في مالمو ثاني أكبر مدن السويد، وكانت التظاهرة هذه المرة ضد دخول جيوش الاتحاد السوفييتي، مع قوات حلف “وارسو” إلى تشيكوسلوفاكيا.

كما ساند كفاح شعب جنوب أفريقيا لإنهاء نظام الفصل العنصري، وكان بالمه يُوصَف في أفريقيا بأنه “صوت السود في عالم الرجل الأبيض”، وشغل منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية.

تصوير: Jerker Andersson/imagebank.sweden.se

نصب تذكاري لرئيس الوزراء السويدي السابق أولوف بالمه في جزيرة جوتلاند. يتألف النصب من سبع منصات ترمز لقارات العالم والمحيطات.

الاغتيال… تؤيد القضية ضد مجهول

قبل منتصف ليل الثامن والعشرين من فبراير (شباط) ۱۹۸٦، وكان بالمه لا يزال يشغل منصب رئيس الوزراء، وأثناء خروجه من دار للسينما في شارع سفيافاجين ليستقل قطار الأنفاق المحلي بالعاصمة ستوكهولم برفقة زوجته، ومن دون حراسة، تعرض بالمه للاغتيال بطلقتين من مسدس قديم عمره أكثر من نصف قرن.

القاتل بقي مجهولاً إلى يومنا هذا، ما فتح باب الاتهامات والنظريات حول جريمة الاغتيال، خصوصاً وأن المتهم الرئيسي في الاغتيال كريستر بيترسون تم إطلاق سراحه بعد عام من الاعتقال بسبب عدم كفاية الأدلة، رغم تعرف أرملة بالمة ليزبت عليه أثناء المحاكمة باعتباره الشخص الذي أطلق النار على زوجها، ليلقى مصرعه لاحقاً في ظروف غامضة في عام ٢٠٠٤.

حقيقة أن سياسات بالمه كانت تقف في تلك الفترة الحساسة في العلاقات الدولية بشكل واضح إلى جانب الحقوق المشروعة للشعوب حول العالم، ما أعطى لمعظم نظريات المسؤولية عن الاغتيال طابعاً دولياً باتهام جهات عدة صاحبة مصلحة في إبعاد بالمه عن مسرح السياسة الدولية مرةً واحدةً وإلى الأبد.

موضع اتفاق رغم الخلاف

في عام ۱۹٦۸، وقف بالمه خطيباً في ساحة الميدالن في جزيرة جوتلاند، التي يتمدد على عشبها المصطافون، وتحولت خطبته تلك إلى تقليد ما زال متواصلاً حتى يومنا، حيث تطور هذا التقليد ليصبح أسبوع الميدالن ميداناً للسياسيين السويديين من مختلف الأطياف الحزبية، يقام في الأسبوع الأول من شهر يوليو (تموز) من كل عام.

اليوم وبعد ۳۳ عاماً على اغتيال بالمه فإن الجدل لا يزال يدور حول إرثه السياسي والاجتماعي في السويد، وهل مازال موجوداً أم أنه تآكل وفي طريقه إلى الزوال. ورغم أن بالمه لم يكن محط إجماعٍ وطنيٍ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً إلا أن خصومه السياسيين كما حلفائه ومؤيدوه يرون أنه مَثُل في الواقع ثقلاً أكبر من موقعه الرسمي وصفته الحزبية، كما يمكن القول إنه السياسي السويدي الأكثر شهرة على مستوى العالم.  

أخر تحديث: 12:36 م