نحو مجتمع التكافؤ والكفاءة

قطعت السويد أشواطاً كبيرة على مستوى العالم في تحقيق المساواة بين الجنسين، ليس باعتبار ذلك مطلباً مرتبطاً بحقوق الانسان، والديمقراطية فحسب، بل لكونه أمراً جوهرياً في رسم السياسات الوطنية لتحقيق الرخاء والاستدامة والوصول إلى مجتمع التكافؤ والكفاءة .

 

أبدأ القراءة

تصوير: Susanne Walström/imagebank.sweden.se

نحو مجتمع التكافؤ والكفاءة

قطعت السويد أشواطاً كبيرة على مستوى العالم في تحقيق المساواة بين الجنسين، ليس باعتبار ذلك مطلباً مرتبطاً بحقوق الانسان، والديمقراطية فحسب، بل لكونه أمراً جوهرياً في رسم السياسات الوطنية لتحقيق الرخاء والاستدامة والوصول إلى مجتمع التكافؤ والكفاءة .

 

في عام ١٩٥٦ قامت إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا بزيارة رسمية للسويد وعند استقبالها رفضت الوزيرة والبرلمانية السويدية اولا ليندستروم تأدية الانحناءة المتعارف للملكة طبقاً للبروتوكول الرسمي واكتفت بمصافحة الملكة كما فعل زملائها الذكور. والحقيقة أن الصحافة السويدية تضامنت مع الصحافة البريطانية في غضبها من تصرف ليندستروم من منطلق أن في ذلك خرقاً لقواعد البروتوكول، ولكن الرأي العام كان مسانداً إلى حد كبير لتصرف السياسية السويدية. وتُعطي القصة السابقة لمحة عن تطور المجتمع السويدي في معالجة قضية المساواة بين الجنسين.

المساواة كشرط للتنمية المستدامة

تنطلق السويد في معالجة القضية من تعريف المساواة بين الجنسين باعتبارها :”الحصول على فرص متساوية في تشكيل كلا الجنسين للمجتمع ولحياتهم الخاصة”. والمبدأ الأساسي هو أن يحظى كل شخص – بغض النظر عن جنسه – بحقه في العمل، وإعالة نفسه، وتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والحياة الأسرية، والعيش دون الخوف من التعرض لسوء المعاملة أو العنف.

ولقد أدركت السويد في وقت مبكر من القرن الماضي أن التمييز ضد المرأة يؤدي إلى إعاقة جزء أساسي من المجتمع عن تحقيق إمكاناته والقيام بدوره في عملية النهوض الشامل؛ وبالتالي إعاقة المجتمع ككل عن الوصول إلى أهداف التنمية المستدامة. وساهمت التشريعات القانونية التي أعطت المرأة قِسطاً كبيراً من حقوقها في النهوض بعجلة الاقتصاد والمجتمع السويدي لتتحول السويد من دولة فقيرة قبل نحو مئة عام إلى دولة متطورة غنية مع حلول عقد الخمسينيات من القرن العشرين.

المساواة في التعليم

تظهر الاحصائيات الرسمية السويدية اليوم أن الفتيات يحصلن على درجات أعلى من زملائهن الذكور في مختلف مراحل الدراسة، كما أن نسبة الفتيات اللاتي يقررن اكمال تعليمهن الثانوي والعالي أعلى من نسبة الذكور.

ويمكننا القول بدون تردد أن هذه هي نتائج السياسة الرسمية السويدية التي تؤكد بشدة على تطبيق المساواة بين الجنسين في التعليم؛ التي تبدأ من دور الحضانة وتمر بمختلف مراحل الدراسة بهدف منح الأجيال الناشئة الفرص المتكافئة في الحياة بغض النظر عن جنسهم؛ وذلك باستخدام أساليب تدريس تناقض الأنماط التقليدية في التدريس التي ترسم أدواراً محددةً لكل واحد من الجنسين.

ورغم هيمنة الرجال على حقل الدراسات الأكاديمية العليا في السويد قبل بضعة عقود من الزمن، إلا أن النساء اليوم يشكلن ثلثي عدد الحاصلين على شهادات أكاديمية من الجامعات السويدية في الجامعات، والآن يشارك عدد متكافئ من النساء والرجال في الدراسات العليا والدكتوراه.

تصوير: Ann-Sofi Rosenkvist

/imagebank.sweden.se

التمثيل السياسي

في العام ١٩١٩، وبجهود من إيلين ويجنر -الكاتبة السويدية والرائدة النسوية الأكثر تأثيراً في السويد في أوائل التسعينيات- وآخرين، حصلت المرأة السويدية في سابقة تاريخية على حقها في التصويت في الانتخابات البرلمانية، وأصبحت كارين كوك أول امرأة تصبح عضوة في حكومة سويدية عام ١٩٤٧.

وتعد السويد اليوم واحدة من الدول التي لديها أعلى نسبة تمثيل نسائي في الحكومة والبرلمان، فقد بلغ نسبة تمثيل النساء (٥٢%) في الحكومة المُشَكَّلة بداية العام ٢٠١٩، بواقع ١٢ مقعداً وزارياً من مجموع ٢٣ مقعد كما يبلغ عدد أعضاء البرلمان من النساء ١٦١ مقابل ١٨٨ من الرجال.

كما كانت السويد أول دولة في العالم تعلن توصف حكومتها بأنها حكومة نسوية. وهذا يعني أن المساواة بين الجنسين من الأولويات الأساسية للحكومة فيما يتعلق بالقرارات والموارد المخصصة كما يعني ذلك أيضاً تضمين منظور النوع الاجتماعي في صياغة سياسات الدولة، سواء الداخلية أو الخارجية.

تصوير: Sofia Sabel/imagebank.sweden.se

المساوة في مكان العمل

يحظر القانون السويدي بشكل واضح التمييز بين الرجل والمرأة في مكان العمل، من حيث المعاملة، المهام والمناصب، أو الأجور المدفوعة لنفس نوع العمل الذي يتم إنجازه على أساس الجنس.

ولضمان التقيد وتنفيذ القوانين في هذا المضمار؛ تخضع بيئة الأعمال كما النظام التعليمي لرقابة أمين المظالم لشؤون التمييز باعتباره الجهة الحكومية المسؤولة عن مكافحة التمييز، وضمان الحقوق المتكافئة لكل أفراد المجتمع. ويقوم أمين المظالم لشؤون التمييز بمراجعة الشكاوى المرفوعة له والمتعلقة بالمساواة بين الجنسين. كما أنه مسؤول أيضاً عن ضمان تطبيق قانون إجازة رعاية الأطفال لضمان عدم تعرض الآباء والأمهات الذين يحصلون على الإجازة لأي تمييز قد يؤثر على عملهم بشكل سلبي.

لكن، ورغم السعي الحثيث للوصول إلى بيئة عمل تدعم الفرص المتكافئة إلا أن “الفجوة بين الجنسين” مازالت موجودة من حيث الرواتب التي تقدر الاحصائيات الأخيرة بأن راتب النساء يقل عن رواتب زملائهن من الذكور بنحو ٤% وهي وإن كانت نسبة ضئيلة في التمييز فإنها تدلل على وجوده.

كما أن المناصب القيادية في المؤسسات الخاصة على وجه التحديد تشهد تمييزاً ضد المرأة، ففي وقت تشكل فيه النساء نسبة ٤٩% من أصحاب المناصب القيادية في المؤسسات الحكومية، فإن تلك النسبة تقل بشكل حاد إلى ١٨% فقط في المؤسسات الخاصة.

ومن أوجه الاختلال في المساواة الحاصل، هي أجازة إجازة رعاية الأطفال للوالدين التي يحدده القانون السويدي ب٤٨٠ يوماً يتقاسمها الوالدان، وفيما يترك التشريع للوالدين أن يتقاسما إجازة رعاية الطفل مع احتفاظ كل منهم بمدة ٩٠ يوماً لا تخصص لكل والد ووالد ولا يمكن اقتسامها والتى كانت مدتها  شهرين في نص التشريع الأصلي قبل تعديله، إلا أن المرأة تضطر إلى الآن إلى أخذ القسط الأكبر من الإجازة والتغيب عن حياتها العملية في معظم الأحوال.

يبقى أن نلاحظ أن نسبة النساء العاملات بين عمر الـ ٢٠ والـ ٦٤ عام تصل إلى ٨٠%، وهي نسبة مرتفعة حتى بالقياس مع دول متطورة أخرى، وهو أمر ما كان ليتم لولا انشاء دور حضانة الأطفال التي تبدأ باستقبال الأطفال من عمر السنة وفي بعض الحالات من عمر ٦ أشهر، وبأسعار رمزية للحضانات الحكومية والخاصة على حد سواء.

معركة مستمرة من أجل الحقوق

فبالرغم من المؤشرات المرتفعة لتحقيق المساواة بين الجنسين التي تتمتع بها السويد، والتوجه نحو إعطاء المرأة دوراً أكبر على مختلف الأصعدة، إلا أن مؤشرات العنف ضد المرأة تشهد خلال العقد الأخير ارتفاعاً مضطرداً ليصل عدد البلاغات المقدمة عن حالات العنف الأسري ضد المرأة من ١٥٠٠ حالة شهرياً إلى نحو ٢٠٠٠ حالة شهرياً خلال العقد الأخير. يلاحظ الاتحاد السويدي لخفارة النساء أن هذه التبليغات تشهد ارتفاعاً في النسبة خلال عطلة فصل الصيف حيث يتواجد الشريكان في المنزل معاً لفترة طويلة ما يرفع من نسبة حدوث مشاحنات؛ ينتهي بعضها إلى استخدام العنف. مع ملاحظة أن التشريعات السويدية تشدد العقوبات لمواجهة أي عنف لفظي أو جسدي ضد المرأة حتى تصل العقوبة إلى ستة سنوات حبس مع الشغل والنفاذ.

لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن الأرقام التي قد تبدو مرتفعة للعنف ضد المرأة في السويد مرتبطة بشكل أساسي بالتشريعات والمؤسسات المختصة التي أنشأت لحماية المرأة، والتبليغ عن حوادث العنف ضدها، كما أن اتساع مفهوم العنف وتقسيماته له أثر هو الآخر.

إن  الأرقام السابقة تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن المعركة من أجل الوصول إلى المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات ورأب الفجوة بين الجنسين معركة مستمرة لم تنته بما حققته المرأة من مكتسبات في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، وأن الأمر سيستغرق ٩٩ عاماً لتحقيق بين الجنسين المساواة وفقاً للتقرير العالمي حول الفجوة بين الجنسين لعام ٢٠١٧.

أخر تحديث: 12:45 م